أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

321

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بالابتداء ، و « لِكُلِّ واحِدٍ » الخبر ، و « لِكُلِّ » بدل من الأبوين ، و « مِنْهُمَا » نعت لواحد ، وهذا البدل هو بعض من كل ، ولذلك أتى معه بالضمير ، ولا يتوهّم أنه بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة لجواز « أبواك يصنعان كذا » وامتناع « أبواك كلّ واحد منهما يصنعان كذا » بل تقول : « يصنع » . انتهى . والضمير في « لِأَبَوَيْهِ » عائد على ما عاد عليه الضمير في « تَرَكَ » ، وهو الميت المدلول عليه بقوة الكلام . والتثنية في « أبويه » من التغليب ، والأصل : لأبيه وأمه ، وإنما غلّب المذكر على المؤنث كقولهم : القمران والعمران وهي تثنية لا تنقاس . قوله : فَلِأُمِّهِ قرأ الجمهور « فَلِأُمِّهِ » وقوله : فِي أُمِّ الْكِتابِ في سورة الزخرف « 1 » ، وقوله حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها في القصص « 2 » ، وقوله : فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ * في النحل « 3 » والزمر « 4 » ، وقوله : أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ في النور « 5 » ، و فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ في النجم « 6 » ، بضم الهمزة من « أمّ » وهو الأصل . وقرأ حمزة والكسائي جميع ذلك بكسر الهمزة ، وانفرد حمزة بزيادة كسر الميم من « أمّهات » في الأماكن المذكورة ، هذا كله في الدّرج . أمّا في الابتداء بهمزة « الأم » و « الأمهات » فإنه لا خلاف في ضمّها . وأمّا وجه قراءة الجمهور فظاهر لأنه الأصل كما تقدّم . وأمّا قراءة حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا : لمناسبة الكسرة أو الياء التي قبل الهمزة ، فكسرت الهمزة اتباعا لما قبلها ، ولاستثقالهم الخروج من كسر أو شبهه إلى ضم ، ولذلك إذا ابتدآ بالهمزة ضمّاها لزوال الكسر أو الياء . وأمّا كسر حمزة الميم من « أمهات » في المواضع المذكورة فللإتباع ، أتبع حركة الميم لحركة الهمزة ، فكسرة الميم تبع التبع ، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميم لما تقدم من زوال موجب ذلك . وكسر همزة « أم » بعد الكسرة أو الياء حكاه سيبويه لغة عن العرب ، ونسبها الكسائي والفراء إلى هوازن وهذيل . قوله : فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ أعمّ من أن يكونوا ذكورا أو إناثا أو بعضهم ذكورا وبعضهم إناثا ، ويكون هذا من باب التغليب . وزعم قوم أنّ الإخوة خاص بالذكور ، وأن الأخوات لا يحجبن الأم من الثلث إلى السدس ، قالوا : لأن إخوة جمع أخ ، والجمهور على أنّ الإخوة وإن كانوا بلفظ الجمع يقعون على الاثنين ، فيحجب الأخوان أيضا الأمّ من الثلث إلى السدس ، خلافا لابن عباس فإنه لا يحجب بهما والظاهر معه . قوله : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلق بما تقدّمه من قسمة المواريث كلّها لا بما يليه وحده ، كأنه قيل : قسمة هذه الأنصباء من بعد وصية ، قاله الزمخشري ، يعني أنه متعلّق بقوله : « يُوصِيكُمُ اللَّهُ » وما بعده . والثاني : ذكره الشيخ « 7 » أنه متعلّق بمحذوف أي : يستحقّون ذلك كما فصّل من بعد وصية . والثالث : أنه حال من السدس تقديره مستحقا من بعد وصية ، والعامل الظرف ، قاله أبو البقاء . وجوّز فيه وجها

--> ( 1 ) آية رقم ( 4 ) . ( 2 ) آية رقم ( 59 ) . ( 3 ) آية رقم ( 78 ) . ( 4 ) آية رقم ( 6 ) . ( 5 ) آية رقم ( 61 ) . ( 6 ) آية رقم ( 32 ) . ( 7 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 186 ) .